ما حكم صيام الست من شوال قبل قضاء رمضان
قد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال :-
الأول الجـــــواز :-
وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية ، على خلاف يسير بينهم.
الحنفية : يرونه جائزًا من غير كراهة.
المالكية والشافعية : هو جائز مع الكراهة.
ومن أدلة هذا القول: قوله تعالى: *” وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ” .(البقرة: ١٨٥)
فقوله تعالى : ” فَعِدَّةٌ “: نكرة في سياق الشرط تفيد العموم ، فلم يقيَّد الأمر بالقضاء بكونه متصلاً برمضان ، أو متراخياً عنه .
وعن عَائِشَة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قالتْ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ»(متفق عليه)
فهذه عائشة-رضى الله عنها- أخبرت أنها كانت تقضي ما عليها من صيام رمضان في شــــعبان ، ويَبــعُد جدًا أن لا تكون قد تَطوعْت بصيام النوافل المؤكدة – كصيام الست- هذه المدة الطويلة.
يؤيده: أنَّ قضاء رمضان من الواجـب الموسَّع، الذي لا يشـــترط المــبــادرة به أول الإمـكـان ، كما نص على ذلك الـــنـــووي ، ونقله عن الأئمة الأربعة وجماهير السلف .
ولأنها عبادة تتعلق بوقت مــوسع فــجاز التــطوع في وقتها قــبل فـعلها، كالصلاة يتطوع في وقتها قبل فعلها.
هذا هو القول الاول وهو قول الجمهور.
أما الحــنابـلـة : فلهم في ذلك روايـتان:
الرواية الأولى موافقة للجمهور،أنَّ التـطـوع بصيام الست قـبل القـضـاء يـــجوز ، قد نص عليها المــرداوي في الإنصاف(7/539)، شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة(1/358)
الرواية الثانية : يحرم التـطوع بالصوم قبل قضاء رمضان.
قال ابن هـانئ: سألتُ أحمد عن: الرجل هل يصوم تطوعًا وعليه صوم فريضة؟
قال: لا يـــصوم.( مسائل ابن هانئ”67”)
وهو القول الثاني في مسألة الباب ،وقال به ابن حزم ، ومن أدلة هذا القول :
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».(رواه مسلم)
وجه الدلالة
أنَّ الذي عليه قضاء من رمضان لا يصدق أنه صام رمضان ، فقد رتب الشرع الأجر على إكمال عدة رمضان ، و مثل ذلك لا يحصل إلا بصومه أداءً وقضاءً .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: وَمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ “.(رواه أحمد)
والصحيح الموافق لما ترجَّح بالأدلة – والله أعلم- هو ما عليه المالكية والشافعية أنَّ ذلك جائز مع الكراهة.
فلا شك أنَّ المبادرة بتقديم دَين الله ، والذي هو القضاء أولى من الانشغال بفعل النوافل
وقد صح في الحديث القدسي : ” وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ”.
وأما الجواب عمَّن قال بالمنع مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم : “من صــام رمضان ،ثم اتــبعه ست من شوال”
.
فيقال أنَّ الكلام قد خرج على الغالب ،وهذا ما وجَّه به ابن مفلح الحديث ،فقال:
يتوجه تحصيل فضيلتها لمن صامها، وقضى رمضان، وقد أفطره لعذر ولعلَّه مرادُ الأصحاب، وما ظاهره خلافه خرج على الغالب المعتاد، والله أعلم. (الفروع(5/86)).
أضف إلى ذلك أنَّ مَنْ أفطر أيامًا من رمضان لعذر فقد صدق عليه أنَّه صام رمضان حُــكـــمًا ، فإذا صام الست مِن شوال قبل القضاء حصل له ما رتبه النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم- من الأجـــر على اتباع صيام رمضان سـتًّا من شوال.
وأما ما روي مرفوعاً:ومن صام تطوعًا وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه”